قصة الرقم 22

ه سأروي لكم قصته يا سادة،مؤكدا على أن لقاءه لم يكن سوى محض مصادفة ،أنا الذي لا أؤمن بالصدف على عكسه هو…سأصيغها بكلماتي وأظنه سيعذرني ولعلها تكون مقتضبة فما أردت إلا أن تسمعوا صدى صوته الواهن عبر هذه الكلمات التي أنتم بصدد قراءتها

رن جرس المنبه وصدح صوته المزعج ليزلزل أرجاء الغرفة، قفز بدون وعي من فراشه عاري الجذع وعيناه المتقدتان كجمرتين تختبئان خلف رمشين أسودين طويلين، وشعور بأن بيتا من النمل قد استوطن داخل رأسه ويتجول في أروقة جمجمته وكأن هذا الجيش يستيقظ كل صباح بنشاط ليمارس عمله في حفر رأسه، مترنما على ضربات قلبه المرهق بفعل الأرق المزمن الذي يلازمه منذ وصوله هنا،لم يعتد قبل هذا أن ينام خارج سريره لقد نشأت علاقة وطيدة بينه وبين فرشته الإسفنجية التي عشق رائحتها وحفظ كامل تفاصيلها وتقاطيعها،لقد احتج جسده على هذا الهجر المفاجئ للعشرة الطويلة دون سابق إنذار.

لكن ماذا عساه يفعل فهي ذي الحياة وأقدارها التي لا ترحم ترميه خارج وطنه في رحلة مطاردة عبثية بحثا عن لقمة العيش المرة، وكأن كل المرارة لم تكتب سوى لأمثاله في هذا العالم.لعل مجافاة النوم لعينيه هي أتفه مشاكله الآن يكفيه فقط أن يرشي نفسه بفنجان قهوة حتى ينتشي جسده ويخف ضجيجه واحتجاجه، أما أن الفجر قد انبلج الآن فهذا يعني أن موعد العمل قد اقترب وأن عفاريت الدنيا كلها تنتظره خلف بوابة عمله لتثير جنونه الذي عادة ما يلجأ لتغليفه بابتسامة مزيفة ومصطنعة تقطر غضبا وحنقا، وستتحالف شمس هذا البلد الصحراوي لتجلده بسياط من نار دون رحمة فيقطر جسده عرقا في محاولة تبريد ذاتية”الإنسان آلة عجيبة” لا يدري ان قرأ هذا العبارة من قبل لكنها خطرت له الآن، “لا تنس أن تكثر من السوائل” نصيحة قدمها أحد العمال له دون يسأله حتى وقد يكون هذا هو الشيء الوحيد الذي قدمه أحدهم هنا له دون مقابل.

قرر أن يتمشى نحو العمل قبل أن يصبح المشي في الشارع إحدى أمنياته بعد ساعات ! أراد أن يعطي نفسه مساحة للتفكير فلا أفضل من الهواء الصباحي ليغسل صدره وعقله معا “والصبح اذا تنفس” تذكر هذه الاية الكريمة، لا عصافير هنا تشدو له في الصباح أنشودة الحياة كما في بيته…. أهي الأقدار حقا التي رمته هنا ؟؟ لماذا عندما نحس بالضعف نتحول إلى شعراء ونحاول أن نرمم واقعنا المرير بكلمات من ديكور “رمتني يد القدر إلى هنا” هاها جميل حقا هذا التعبير إنها كلمات رنانة،فلسفة مصطنعة،إبرة مخدرة،حروف معسولة لتخفف مرارة الغربة في حلقي ! ألسنا نحن من نصنع الأقدار في النهاية ؟! أليس من حقي أن أمضي الأيام بين عائلتي وفي خدمة وطني ؟! ثم ماذا بعد هذا ها أنا أجد نفسي في بيئة غير بيئتي، رباه أنا بذرة عصفت بها الرياح لتحط في تربة غير تلك التربة التي خلقت لتنمو فيها…. لست سوى آلة هنا لا قيمة لي تماما كما اعتدت المعاملة في وطني، لا الأفضل أن أقول “تماما كما اعتدت معاملة المتسلطين من أبناء وطني لي ” فالوطن لا يقسو على أبناءه أبدا.

لا يدري كيف يصف أيام الغربة، سلسلة من الأيام المتشابهة بين زر إيقاف وزر تشغيل تتوالى الأيام كنسخة واحدة،لا يختلف اليوم عن الأمس سوى أن الحنين إلى الوطن يضطرم أكثر وأكثر،لم يكن يعز عليه شيء أكثر من أن يبخل على وطنه بعد أن شب وقوي ساعده لكن الطغمة المتحكمة بمصيره ومصير آلاف الشباب غيره تصر على أن تحرمه حتى من هذا.

في مساء ذلك اليوم وبعد أن انتهى صاحبنا من عمله وجلس ليستمع للتلفاز الذي لم يكن يمده سوى بأخبار تزيد تعاسته، كان على موعد مع شيء بدل مسار حياته،لقد كانت الشاشة الصغيرة تفيض بالشباب الذين يهتفون للحرية وللقمة الخبز والعدالة المنسية…لم يصدق عينيه أعاد قراءة الخبر مرات عديدة، انتصب شعر رأسه وتوسع بؤبؤاه ، أحس بقشعريرة لذيذة تسري في ظهره وخفق قلبه بشدة كجناحين يوشكان على الطيران…..في صباح اليوم التالي كان على متن أول طائرة متجهة لبلده مضحيا بالقسم الأكبر مما ادخره بالأشهر القليلة الماضية لكن لا بأس فنداء الوطن أقوى وأغلى من أي شيء آخر.

لم أذق في عمري لذة تعدل لذة تلك الأيام التي هتفنا فيها جميعا، على اختلاف توجهاتنا السياسية واختلاف أصولنا واختلاف أعمارنا انصهرنا جميعا وتوحدنا، كنا كرة الثلج التي تزداد زخما كل ثانية تتدحرج لتطفأ نار الظلم التي امتدت على مدى عقود، كان النصر محتوما والنجاح مضمونا فلم يعلو صوت على صوت الشعب يوما… لا زلت أذكر تلك التفاصيل بأدق لحظاتها، صعدت على أحد الأكتاف وحنجرتي تكاد تتفجر من فرط الحماس كنت أهتف مدفوعا بحب خالص ونية صادقة، أرى أمل المستقبل أمامي يدغدغ مشاعري ويلهبها… عندما شعرت كما وأن سيخا من نار قد دخل عيني، وقعت على الأرض ولم أستطع تمييز الأصوات التي كانت تتداخل من حولي، لم أميز سوى كلمتين “اطلبوا الإسعاف”.

فتحت عيني في المستشفى، لم أستوعب ما حدث ، حاولت القيام من سريري….. أنا لا أرى الصورة واضحة! ناديت بأعلى صوتي،جاءني الطبيب حاول تهدئتي لكنني قرأت الحكاية في عينيه: عيني اليمنى قد أصابها العطب لقد تعرضت لطلقة غادرة، التهمت أحلامي في ثانية !حاول طمئنتي بأن بصري قد يرتد إلي إذا ما أجريت لها عملية مستقبلا، بكيت كثيرا انا الذي لا أذكر أنني بكيت يوما في حياتي.

أمضى صاحبنا أياما قليلة في المستشفى، شاهد فيها نصر الثورة المؤز على شاشة التلفاز وانهمرت دموعه مرة أخرى، كل التضحيات تهون في سبيل الهدف الأسمى…. عاد إلى البيت وهناك وصلته رسالة تفيد بأن مصابي الثورة هم أولى الأولويات وأن الدولة لن تتدخر أي جهد في علاجه، إنه الرقم 22 في مصابي الثورة وسيتم علاجه قريبا فصبرا جميلا.

لم أكن أعرفه قبل ذلك، بل إنني لا أذكر أنني وقعت على اسمه حتى،لقد التقيه بعد مرور سنة كاملة على الثورة، لفتتني العصابة الملونة بالعلم التي كان يضعها على عينه، سألته بمحض الفضول عنها فوقعت على هذه القصة، لم ألحظ نبرة الندم في صوته لكنها بالتأكيد لم تخلو من ألم، عينه التي ما زال يحتفظ بها كانت مليئة بالتصميم والأمل وعندما قام ليودعني لم أرى في قامته سوى الشموخ على أن صدى صوت قدميه المبتعدتين كانتا تشيان بشيء من الحزن والألم.

Picture on top by Eric Lubiynov

Advertisements

One thought on “قصة الرقم 22

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s