ثمن الحرية

ه ما أن فتح له حارس المدينة الضخم الباب وولج فيها حتى انتابه شعور بالحيرة فهو لا يعرف ما الذي يدفعه لكي يسرع الخطي، هل هما ركبتاه اللتان تتخبطان قلقا من هذا اللقاء الذي سيتوقف عليه حلم حياته أم تلك الأزقة الخالية تماما من المارة علي عكس ما كان يتوقع .. انه لا يكاد يصدق عيناه ، أهذه بحق مدينة “الليلة الكبيرة” التي طالما حلم بزيارتها أم أنه أخطأ في العنوان ، إن المدينة كما وصفت له تماما وتلك اللافتة الموجودة عند مدخلها تؤكد ذلك وأخيرا قرر أن يحسم هذا الصراع بأن يستمر سائرا في طريقه فإما أن يصل لحلمه أو أن يتعلم من التجربة وما إن هداه تفكيره لهذا القرار استراح باله واطمأن قلبه الذي سرعان ما رقص فرحا حينما شاهد البيت الضخم الذي يسكنه أهل “الليلة الكبيرة”

ما أن فُتح الباب حتى اتسعت عيناه من الدهشة فها هو عالم “الليلة الكبيرة”؛يا له من عالم بديع … المقهى بمطربه الشهير ها هو حمار العمدة يقف في انتظار صاحبه وبائع الشخاليل و… ماذا تريد ؟ قالها عامل المقهي ذو الشارب الكثيف الذي يغطي وجهه تماما زاد السؤال من اضطرابه ولكن أخيراً عبرت الكلمات شفتيه ليقول إنني جئت لأنضم لعائلة “الليلة الكبيرة” لأني موهوب منذ صُنعت وليس طموحي أن أبقي بين يدي طفل يعبث بي كيف يشاء إنني أرغب في أن أصبح نجم من نجوم “الليلة الكبيرة” يصفق لي جميع الأطفال وتُسلط علي الأضواء وتنشر صورتي علي صفحات الجرائد والمجلات .. ابتسم صاحب المقهي من حديثه وبدا ذلك واضحا على عينيه فكما قلنا كان الشارب يغطي فمه تماما مما يجعل من الصعب علينا رؤية فمه المبُتسم أشار صاحب المقهي إليه أن يجلس علي المقهي حتى ينُهي عمله ثم يصحبه إلي مكان ما ..

 بدء العمل في مدينة “الليلة الكبيرة” الموجودة داخل المنزل الصغير شق الصمت صوت السيدة التي تبحث عن طفل صغير تاه وسط زحام المولد .. إنها تبحث عنه كل يوم ولأن التأثر بدء واضحا علي وجهه فإن صاحب المقهي اقترب منه  وسأله عما جعل الدموع تترقرق من عينيه فأخبره أنه تأثر لفقد هذه الأم لوليدها فضحك بشدة واهتزت أكتافه وانفرج الشارب الكبير فوق فمه حتى كادت شفتيه أن تظهر للمرة الأولي في حياته ثم ربت علي كتفه وهو يقول يبدو أن عشقك لسكان “الليلة الكبيرة” جعلك تصدقهم أكثر مما يجب وتنسي أن ما يقومون به هو مجرد مسرحية وليست هذه السيدة سوي دمية لا تُنجب، حاول أن يبتسم وهو يسمع هذه الكلمات التي جعلت صاحب المقهى يعامله كشخص محدود الذكاء ولكن لا يهم فيكفي أنه عرف أنه يملك مشاعر رقيقة تجاه الآخرين ردد هذه الكلمات في داخله فاطمأن قلبه ثم استكمل مشاهدته لأحداث  “الليلة الكبيرة” التي لم تكن هذه المرة سوي صوت زماره يقترب مصحوبا بأصوات بعض الأطفال وأخذ الصوت يقترب أكثر فأكثر محدثا نوعا من البهجة في المدينة حتى شعر أن كل جوانب المدينة تتراقص مع هذا البائع المرح الذي ظهر له أخيرا وهو يدندن والأطفال يغنون من حوله وبالرغم من هذا الجو المرح طرأ علي ذهنه سؤال أخير فلقد كان يشعر دائما حينما يجلس مع الجمهور انه يتجول وسط شوارع “الليلة الكبيرة” أما الآن فهو يشعر أنه يجلس في مكان ثابت وسكان المدينة يأتون إليه واحدا تلو الآخر كلاً ليعرض سلعته قفز من مقعده حينما وصل لهذه النقطة من التفكير وقرر أن يتجول بنفسه بين جنبات المدينة ليستكشف بنفسه حقيقة الأمر سار بين الحارات والأزقة التي بدت خالية مرة أخري وبعد أن كاد يفقد الأمل في العثور علي أحد شاهد من بعيد ظلال سيدة فاقترب منها وإذا السيدة التي تبحث عن ابنها فاقترب منها وسألها عما يجول بخاطره فإذا بها ساكنة لم تتحرك اقترب منها أكثر لعلها لم تسمعه في المرة الأولي ولكن للأسف لم تجبه أيضا ولكن اقترابه منها مكنه من رؤية هذه الخيوط الممتدة منها والتي تنتهي بعصا معلقة في سقف المنزل ياآلهي إنها لا تستطيع الحركة بمفردها ؟ واسترجع علي الفور ما شاهده من شخصيات فتذكر تلك الخيوط الممتدة منهم إلي أعلي والتي وضعت بمهارة حتى لا يلحظها إلا المدقق للغاية أو شديد الملاحظة وبالتأكيد فان جميع محاولاته للحديث مع السيدة فشلت مما أكد وجهة نظره ولكنه أراد ألا يضع مكانا للشك فأخذ يعدو ويعدو متوغلا أكثر وأكثر في جنبات “الليلة الكبيرة” حتى وصل لأكثر الشخصيات نشاطا ذلك الرجل القوي الذي يضع المدفع  أمامه ولكن برغم أنه يقف وقفته المليئة بالقوة والفخر إلا أنه ساكن دون حراك وكذلك تلك السيدة التي تتحدث إليه من النافذة .. ماذا حدث ما هذا السكون الذي قيد الشخصيات وهنا سمع صوت أقدام تقترب منه فالتفت إليه أنه الشيخ ذو اللحية وقبل أن يسأله عما سببه له ما شاهد من حيرة!! ابتسم الشيخ وسأله هو ماذا بك يابني؟!وما كل هذه الحيرة الموجودة في عينيك فأجابه بسرعة وكأنه غريق وجد طوق نجاة إنني مندهش فكل من كانت الحركة تملأهم يتحولون إلي دمي لا تتحرك وتظهر خيوط كانت مخبأة بمهارة ليصبحوا معلقين بها وكأنها قيود … ابتسم الشيخ وقال له حقا يابني إن هذه الخيوط هي سر حركة الدمي وبمجرد أن ينتهي دور الدمية يضع من يحركها هذه الخيوط ليمسك بخيوط دمية أخري وهكذا وبهذا نجد بعض الدمي تقف ساكنة دون حراك بعد أن كانت تملأ الدنيا نشاط فالأمر يتوقف علي من يحركها

ـ ولماذا يجب أن يحركها أحد طالما أنها قادرة علي الحركة وحدها

ـ انه الشرط الوحيد يا بني لكي تنضم الدمية إلي عالم الليلة الكبيرة

ـ أي شرط

ـ أن تتنازل عن حريتها .. إن تجعل غيرها يختار لها حركاتها وسكناتها؛ أن يجعل غيرها يختار لها الدور الذي ستؤديه والكلام الذي ستنطق به..

ـ ولكن كيف وافق الـ.. قطع عليه كلماته سكون الشيخ تماما فلقد أصبح لا يُحرك يدا ولاقدم ولم تعد شفتاه تتحرك؟! كما توقفت تماما تلك العصي الموجودة في يده والتي كان يدق بها من وقت لآخر لقد تحول الشيخ هو أيضا إلي دمية ساكنة كباقي الدمي يبدو أن دوره قد انتهي .. انطلق يسابق الريح في اتجاه المقهي حتى يعتذر للرجل صاحب الشارب الكثيف لأنه قرر أن يسحب طلبه بالانضمام إلي عائلة “الليلة الكبيرة” وسيكتفي بمشاهدتها من بعيد، وسيعود إلي الرف الذي كان موضوع عليه في محل اللعب لينتظر دوره في البيع فيصبح بين يدي طفل صغير جميل يحتضنه في الليل يهمس إليه بحكاية طريفة ويصطحبه معه في جولاته في عالم الخيال قبل عالم الواقع ثم يتركه ليلا يتحرك كيف يشاء ..

هاهو المقهي يقترب فلقد أصبح يري الرجل ذا الشارب الكثيف يقف أمامها ولكن كانت المفاجأة مذهلة حينما اقترب منه ليعتذر له عن عدم قدرته علي الانضمام لعالم “الليلة الكبيرة” فقد وجد أن عامل المقهي تحول هو أيضا إلي دمية ساكنة لا تنطق

تمالك نفسه متغلابًا على شعور الدهشة الذي يخامره وهو يتجه نحو باب المدينة حيث وجد الحارس في انتظاره مبتسمًا وهو يفتح له الباب ليخرج فتوقف للحظة ليسأله وهو يدقق النظر في يديه

–       إنك الوحيد الذي لم يتوقف عن الحركة ولا يوجد خيوط ممتده منك

هنا ابتسم الحارس وهو يفتح صدره لتظهر به بطاريات ليقول وهو يقول

–       لانني أعمل بالبطاريات

تمت

Picture on top: “City of romance” by Robert Finale     

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s