قلم أخرس

ه في جو مشبع بالكآبة والحزن،ملفوفا بالصمت الثقيل الذي كان يجثم على صدر المكان، جلس السيد صابر ببدلته التي انتهى عصرها منذ سنوات وربطة عنقه التي تبدلت ألوانها مع تعاقب الفصول المتكررة عليها. بأنفه الطويل وبعض شعرات لازالت تقاوم باستحياء في رأسه المدور، حتى جسمه الممتلئ فيما مضى قد استحال إلى شبح داخل بدلته التي بدت كأنها صممت لرجل بمثلي حجم مقاسه ! ناولته زوجته كأس الماء وقد راعها منظره؛لعل هذه ليست المرة الأولى التي تلاحظ فيها زوجته تبدل ملامحه المليحة فيما مضى، لكنها لأول مرة ترى زوجها الذي نال قسطا كبيرا من اسمه ينشر رايته البيضاء استسلاما بعد أن تهاوت إرادته أما سهام القدر التي ما فتئت تمطره دون رحمة.

جلست هي الأخرى أمامه في قميص نومها، فهي كانت قد استيقظت لتوها عندما سمعت زوجها يفتح الباب بعد عودته السريعة التي أنبأتها بأن الأمور لم تسر كما كانت تتمنى وتنتظر، كان شعرها الأسود مرسلا حتى كتفيها وعيناها السوداوان الواسعتان تشيان بشيء من القلق وتضفيان مسحة إضافة من الجمال عليها وتستنطقان زوجها الذي كان فيما يبدو جالسا بجسده أمامها لكن تفكيره كان محلقا في عالم آخر.

كسر هذا الجمود ابنهما ذو الخمسة أعوام الذي استيقظ جائعا، أمسكت بيده وأخذته إلى المطبخ لتطعمه ولتترك لزوجها فرصة التقاط أنفاسه.أطعمت ابنها ووضعت الماء على النار والذي أخذ يغلي في القاع فذكرها حال الماء في هربه المستمر من النار في الأسفل وصعوده للأعلى ليدفع غيره من الجزيئات للقاع لتتلقى مصيره بدل منه ذكرها بحال الإنسان في هذه الحياة والذي غالبا ما يضحي بكل من حوله في سبيل إنقاذ نفسه، مستعد ليفقر الجميع ليغنى وأن يقتل الجميع ليحيا ! متناسيا أنه تماما كما ستغلي كل هذه المياه في النهاية مهما ابتعدت عن مصدر النار فإن الجميع سيفنى يوما ما مهما ظن أنه مبتعد بنفسه عن مصادر الهلاك” هي سنة الحياة ” همست سلمى في نفسها مستغربة من هذا الخاطر الذي جال في بالها الآن على الرغم من أنها شاهدت مشهد غليان الماء مئات المرات قبل الآن.

سكبت القهوة بعد أن أشبعتها بالسكر حتى استحالت لزجة كالطين فهكذا يحبها زوجها ” إذا كانت الحياة مصرة على أن تكون مرة، فأنا أملك أن تكون قهوتي حلوة” هكذا كان شعاره دائما ويبدو أنه أحوج ما يكون له في هذا اليوم الذي بدا تعسا من أوله، ابتلع فنجانه على دفعتين فبادرته قائلة : هل من جديد ؟
اهتزت شفتا زوجها وغارت عيناه الصغيرتان في محرجيهما، كانت تعرف جيدا أن هذه الملامح تنذر بالانفجار : لا شيء حبيبتي، لقد رفض أن يقابلني بحجة أن لديه أعمالا كثيرة تخيلي ذلك ! بعد أن تدربت لمدة أسبوع على ما سأقوله وبعد تحاملت على نفسي وأجبرت نفسي مكرها على الذهاب ، لم يكلف نفسه حتى عناء لقائي ، ظننت أنه سيقدر الأيام الخوالي؛أيام دراستنا سويا في صف واحد …. آآه يا عزيزتي لم يكن يحسن شيئا سوى التملق للمعلمين، كنا نسخر منه ونبغضه، كنت أعتبره غبيا بكرشه المدور وأصابعه التي تشبه أصابع النساء وذكاءه المحدود، لم أظن يوما أنه سينجح في أي شيء !! وها أنا اليوم قد ذهبت وطرقت بابه كالمتسولين، علني أظفر بزاوية في جريدته التي يترأس تحريرها والمسماة ” جريدة الحرية” ،يبدو أن قلمي قد كتب عليه أن يخرس إلى الأبد ها قد رأيت فبعد أسبوع أتم خمسة أشهر منذ تم منعي عن الكتابة زعما أنني أكتب وأنشر أخبارا وشائعات تضر بسمعة البلاد، سرقتهم لا تضر الوطن لكن قلمي الذي يكتب عنها تضره !
“لا عليك عزيزي أظن أن صاحبك هذا هو في النهاية من خسر قلمك”
قهقه عاليا بأسى ممزوج بشماتة : بل أظنني اليوم قسوت قليلا فأفقدته أكثر من ذلك

ثم لم يلبث أن سمع طرقا عنيفا على الباب، أجفلت زوجته فطمأنها : “لا تقلقي يا عزيزتي، أظنني سأذهب في زيارة قد تمتد قليلا هذه المرة، لا تنسي أن ترسلي لي بيجامتي الزرقاء فلا أظنني قادرا على دفع البرد الذي ينتظرني في سواها

Omar Al Othman

Picture on top: “Crashing” by May Atallah http://www.may-a.com   

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s